 | |
 |
توقيعات هادئة: العربي السعيد
الجمعة 05 فبراير 2010 | أعمدة البلاد |
| |
| |
|
ع. جرادي قد يكون للسعادة في القاموس السياسي للأنظمة العربية معنى يختلف جذريا عن معناه في قواميس الآخرين.. شأنها شأن الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والمستقبل والتعددية. فالعرب يشتقون المعاني المتحركة التي لا تستقر على حال.. ويمارسون لعبة كسر الكلمات وإعادة تركيبها حسب الحاجة .. ويقفزون عكس التيار كسمك السلمون.. ويركبون ظهر الكلمات في الاتجاه المضاد للحقائق. ولا يفرحون إلا إذا كانت قشرة الكلمات التي يقفون عليها من النوع الذي يهتز بسهولة.. ويغوص في الأعماق.. وجدران المعاني التي يستندون إليها تتمايل وتنهار. فكل شيء يحتمل المعنى ونقيضه.. وما قد يكون في الصباح سكونا.. ينتهي في المساء حركة. بهذا المعنى المطاطي.. يتسنى للحاكم العربي أن يقفز على حبله الخاص دون أن يسقط.. إنه يملك منجم المتناقضات الذي لا ينضب....
يفرض النظام العربي على الشعب العربي كل مرة لعبة كلمات جديدة.. ليس لها مرادف في أي قاموس للألعاب المعروفة. فكلما تحرك المواطن العربي في الواقع.. اكتشف أنه يسير في أرض جديدة.. لا يألف كائناتها.. ولا يفقه لغتها. والأشياء التي يلمسها بيديه.. ويراها بعينيه .. تكتسب مدلولات لا صلة لها بالحقيقة.. فهي موجودة وغير موجودة.. وما يسير عند الآخرين في اتجاه.. يسلك عند العرب اتجاها مغايرا.. وما يكون مستويا عند غير العرب بأن يقف على رجليه.. يقتضي أن ينقلب على رأسه ليكون مستويا عند العرب. فالنهار العربي غير النهار في جغرافيا أوروبا مثلا.. والشمس التي تسطع عندنا..غير الشمس التي تشرق في أمريكا أواليابان.. والعصافير التي تذبح عندنا غير العصافير الذي تغرد في مكان آخر.. وأفراحنا غير أفراحهم.. وبكاؤنا غير بكائهم... فأن تكون عربيا معناه أن تبصر العالم الذي يحيط بك بمنظار استثنائي.. يمكن أن تقتنيه من أقرب دكان رسمي يقابلك في الطريق.. فتحول الوحوش إلى حمائم.. وترسم من الحمل الوديع ذئبا مفترسا.. وترى الخط المستقيم دائرة مغلقة. وبالمثل.. فالسعادة تعني أن تموت ليعيش الحاكم.. وأن تحزن ليفرح.. وأن تبكي ليضحك.. وأن تتألم ليهنأ.. وأن تفقد مستقبلك ليكون له المستقبل كله.. وأن تنحني ليستقر هو على ظهرك. ٌ.. حاولت أكثر من مرة أن أعثر على تفسير مقنع لهوس الكرة الذي اجتاح الشارع العربي.. وهذا الإصرار من النظام العربي على جعل الكرة قضية وطنية.. ومسالة شرف تعني الأمة كلها.. ويرتبط بها مصير الأجيال القادمة.. فانتهيت إلى نتيجة وحيدة : العرب أمة تهرب من الحقيقة.. إما لأنها تكرهها.. أوتخشاها.. أوتنكر وجودها أصلا. والواقع العربي مرير إلى درجة أن العربي يفر منه.. ليختبئ في غابة كثيفة من الأوهام.. يعيش ويموت هناك.. وأولاده يولدون ويكبرون بدورهم في هذه الغابة.. التي لا يقتربون من حافتها.. وحين يحل أجل رحيلهم يكونون قد أكملوا دورة الحياة الميتة. في حرب الكرة التي نشبت بين الجزائر ومصر.. انبثق علم اجتماع جديد هوعلم اجتماع الكرة المستديرة.. ووظيفته هي تشخيص ظاهرة الهوس الكروي.. وما يشير إليه تكفل الكرة بإسعاد الجماهير العربية. ٌ.. فهي جماهير تريد أن تفرح بأية طريقة.. وأن تستشعر لذة الانتصار ولو ساعة من نهار. فهل لأنها جماهير غير سعيدة بالوراثة.. يحاصرها الألم.. ويقتات من روحها الشقاء؟ أم إنها بحاجة إلى سعادة غير مألوفة.. على عادة الأوربي الذي يبحث عن المتعة في كل ما هو غريب واستثنائي ؟ أم إنها تريد تذوق طعم السعادة ولوفي طبق من الوهم تتناوله بنهم.. وهي التي اعتادت التهام البؤس بالقناطير؟ ٌ .. النظام العربي يعرف كيف يسعد الجماهير.. ويعرف ماذا يسعدها أكثر؟ وقد نجح أكثر من مرة في حمل السعادة إليها.. وحثها على التعبير عن سعادتها أمام الملإ.. في الشارع وليس في البيوت.. أمام الكاميرات وليس في الكواليس. ٌ.. في قاموس العربي الحزين دائما .. أضحت السعادة قرينة الهروب من الواقع.. في محاولة لإنكار وجوده.. وتجاهله. العربي الذي لا يتعلم كيف يفر من واقعه يموت كل يوم ألف مرة.. يحزن ألف ألف مرة.. يتجرع المرارة.. ويتنفسها مع الهواء. يريد أن ينسى الفقر والخوف والظلم والتهميش والظلام الذي يلتف حوله..وأن يطرد من ذاكرته كل ما يذكره بالانتماء إلى وطن لا يملك فيه ظله.. وتتقلص فيه مساحة ظهوره إلى حد أن يصبح نقطة غبار. يريد أن يغرق في الوهم.. ليبتكر طريقته في جلب السعادة ولومن الصين... ليمارسها في الشارع.. على غرار سعادة الكرة. ٌ..عندما يعجز العربي عن مواجهة الغول الواقف أمامه.. يستسلم للنوم.. وهذا أقرب طريق للتخلص من كابوس الحقيقة. في الأحلام يفرح بكل ألوان الانتصارات.. ويقيم الأفراح.. ويوزع الحلوى على المدعوين.. فهوغير ممنوع من تذوق طعم السعادة.. يضحك كيف يشاء.. يذهب حيث يريد.. لا يعترض سبيله اللصوص وقطاع الطرق. وفي الحالة القصوى يسلم بالأمر الواقع.. ويتمدد على سرير الرضا والقبول. ٌ.ٌ أليس من مواصفات العربي السعيد.. أنه العربي الذي يتقمصه الحزن بحرص شديد.. ويتمدد في كيانه.. ويتسلل إلى خلايا حياته كلها. عندما يسعد المعذبون في الأرض بانتصار كرة القدم.. يخرج سكان المقابر في القاهرة من مقابرهم.. وينسى الجياع جوعهم.. والمقهورون بؤسهم.. ويكمل النظام حلقة الاستعباد بمفردات جديدة. |
|
| |
 |
|
| |
صفحة للطباعة |
| "العربي السعيد" | دخول/تسجيل عضو | 0 تعليقات |
|
| | التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها. |
|
|
|
التعليق غير مسموح للضيوف, الرجاء التسجيل |
|
|